المادة والفضاء

 

سافر أمير الخطيب لمسافات بعيدة في هذا العالم، أمير من وادي دجلة والفرات من مهد حضارتنا الأنسانية، لكنه أختار العيش في فنلندا في أقصى شمال اوروبا والمشهور عنها أنها معمل المستقبل.

ويظهر ذلك بوضوح في أعمال أمير التى تظهر فيها الحركة، ولا أعرف إن كانت هذه الحركة هي شخصية أم كونية فهذه الحركة تنبع من الداخل ولا تموت.

ولد أمير في العراق حيث بدأ مشواره الفني في عالم المسرح وكممثل ومخرج حصل أمير على العديد من الجوائز مثل جائزة أفضل مخرج شاب في عامي 1982 و 1985.

وذهب أمير إلى إيران وباكستان ثم فنلندا حيث أصبح فنانا محترفا في التسعينيات.

كما يعمل أمير أيضا كصحفي ومراسل في فنلندا.

الخبرة المسرحية وضعت بصمتها عليه في طريقه إلى استكشاف العالم فهو يتصورالعالم الفضاء أو الفراغ بطريقة ثلاثية الأبعاد حيث يصبح للعمق قيمة كأحساس ومحتوى وفكرة.

 

ويظهر هذا أكثر في رسمه التعبيري الذي قام بإنجازه في 1999 في قالب فني مختلف.

فنجد أعمال أمير ثلاثية الابعاد تأتي كأنها تترك بعض من التأثير من البيئة المحيطة.

ونحن عادة ما نتكلم عن البعد الرابع أو الفضاء-الزمان فما هو البعد الرابع؟

من وجهة نظر تقنية بحتة البعد الرابع هو وصف لظاهرة تعطي أهمية للزمن والوقت في الفضاء وبذلك يمكن حساب ليس فقط الأبعاد الثلاثة ولكن "استمرايتهم" نفسها كذلك.

 

والبعد الرابع يرمز أيضا إلى اتساع الفضاء والذي في لحظة ما نجده موزع في كل الاتجاهات اللانهائية.

وهذا البعد الرابع يعد العامل الرئيسي في ووجد الكون هنا والآن. وبالنسبة لأمير فالفراغ-الزمان هو شئ.

"أرى أننا نحتاج إلى عمل فني لملء الفضاء ولذلك فالعمل الفني يصبح مفيدا للفضاء".

"وأنت لا تستطيع خلق ذلك الفن الذي لا يؤثر في الفراغ عن طريق الرسم أو تعليق عمل فني على الحائط".

في عمله الفني المعنون "ثلاثية الانتظار .. ثلاثية السعادة .. ثلاثية الحياة وأشياء أخرى" يستخدم أمير صناديق، هذه الصناديق هي ذاكرات جمعية منذ الطفولة والصناديق هي هدايا هي اماكن لتخزين الألعاب هي خشبات مسرح صغيرة في البيت، هي الأماكن التى نحتفظ فيها بتذكاراتنا وأشيائنا العائلية.

الصناديق مغلقة، لكن داخلها يوجد عالم شخصي ووجداني وبمجرد أن يرفع الشخص غطاء الصندوق، سيكون من السهل عليه أن يتعرف على هذا العالم.

أمير يخلق "توقعات" في هذه العمال ثلاثية الأبعاد وذلك عن طريق إحداث "فتحات".

"اتعقد أن الفتحات تخلق مسافات زمنية للمشاهدين للعمل الفني وهناك مسافات بين الفتحات التى أقوم بعملها وبين الحوائط التى أقوم بتعليق الأعمال الفنية عليها".

الفتحة هي علامة مميزة فهى تحثنا على التوقف على السطح وإلا ستنزلق نظرتنا دون تركيز، وعلى النقيض فهذه الفتحات تمتصنا فنتسائل عما يوجد بالداخل وننتظر بشغف للإجابة أن تأتي.

ولذلك تحتوي هذه الأعمال ذات الأبعاد على علامات وأشياء متفرقة تجذب انتباهنا.

سابقا احتوت أعمال الفنان الأرجنتيني – الإيطالي لوتشيو فونتانا على قطع في رسماته وأراد فونتانا بهذا أن يعطي بعدا للرسوم بعدا لا تحتوي عليه هذه الرسوم بدون هذه القطعات فيها.

وفي حالة أمير خطيب تأخذ مسألة الفتحات منحنى أكثر أهمية، فالفتحات تخلق دائما حالة من الترقب لما هو مخفي.

"انها ممتصة منذ مرحلة الطفولة، أنها ذاكرتي تلك المشدودة إلى داخل هذه الفتحات السوداء، أو أنها فتحات مجهولة الهوية هى التي تجذب أشيائي إلى داخلها".

هذه الفتحات تضيف إلى القيمة الرمزية لتقنيتي لخلق هذا البعد الزمني "طريقتي في خلق هذا البعد الزمني هو شد القماش (الكانافاه) من داخل إطار الفتحة ولذلك ترى حركة امتصاص الألوان والأشياء أو أي شئ أقوم باستخدامه على قطعة القماش هذه".

"أقوم بعمل فتحة على قطعة من الخشب ثم أضع إطار واسع وضخم حولها ثم اضع القماش (الكانافاه) حول الإطار وأقوم بسحبها إلى داخل الفتحة وأتعامل معها".

في كنيسة سان لويجي دي فرانسيس في روما هناك عمل فني بعنوان ايل مارتيرو يه سان ماتيو والتي نجد فيها الفنان كارافاجيو يقوم بعمل دوامة من الأشخاص وفي خلفية الصورة نستطيع تمييز وجه كارافاجيو نفسه.

وكذلك الحال مع أعمال أمير، فهو يشاهدنا من داخل الفتحة بينما يدعونا إلى مشاهدة ما بداخل العمل الفني.

وأمير مثله مثل كارافاجيو يسألنا نحن أيضا هل نرى ما يراه؟

 

الذاكرة والأثر

 

هذه المقولة تلخص فكرة أمير الفنية: البحث عن الفضاء والوقت له جذور عميقة بداخلي وأصل إلى أن ليس هذا هو ما أريده، وقد قمت بكتابة مقال في عام 1998 عن الثقافة الثالثة والذي ملخصه أنني أنسان عراقي أعيش في فنلندا وعلى ذلك فأنا أحمل ثقافتين أو ملامح ثقافتين، لكنني أقوم في نفس الوقت بانتاج ثقافة ثالثة.

وبحثي بدأ من هذه النقطة ولهذا فالفراغ الذي أملؤه ليس فارغا، لكن الثالث هو الذي يبدو مختلفا ولديه ملامح خاصة به".

في سطوح أمير هناك آثار لذكريات أولية وكذلك الحال لرسامين يعتبرهم أمير معلميه (أرشال جوركي وجاكسون بولوك) نفس الآثار.

بالنسبة لأمير"العراق هو ثقافتي الأولي ويبدو ذلك واضحا في أعمالي التى أقوم بتنفيذها على الطريقة العراقية من حيث الألوان والرموز ومن حيث الروح العميقة والقديمة التى تأتي على السطح".

"أنا مثل الفلكيين العرب الأوائل أبحث في الفضاء عن نجومي الخاصة، أنا أخلقهم واسترشد بهم والالوان التى استخدمها تنم عن طفولتي وعلى انتمائي الاول فالذهب في ثلاثيتي عن السعادة انما يأتي من بلدتي التي ولدت فيها النجف الاشرف".

وفي ثلاثيات أمير يشكل الرقم (3) هو رقم رمزي ومستلهم من الثالوث المستخدم في مصرالقديمة وبلاد الاغريق والذي دخل لاحقا إلى الديانة المسيحية.

واحيانا تبدو أعمال أمير وكأنها صورة لكوكب الأرض مأخوذة من قمر صناعي يدور حولها ولذلك يقول أمير"لذلك اعطي للمشاهدين أكثر من أمكانية ليروا ما يريدون ان يروا".

وسطوح أعمال أمير غير مستوية هى انعكاسات لما بداخلنا خاصة وأن سطوحها تحتوي على أشياء ورموز.

أحد ثالوثات أمير تصور أحد من فقدوا ذاكرتهم ويحاول ابحث في الرموز علها تساعده في التعرف على هويته.

والذاكرة المفقودة (والمستعادة) ترتبط أرتباطا قويا بالتقنية الفنلندية حيث تعلب الوسائط المتعددة دورا مهما.

وفي هذا السياق التكنولوجي يصل أمير بلغته الفنية رفيعة المستوى والمعتمدة على سر الصنعة والمعتمدة بدورها على (الحكاية) الخاصة بالفنان.

العراق هو مهد الحضارة والتى استقى منها الغرب حضارته وترى في أعمال أمير ألف عام من التاريخ تطل برأسها محاولة التعبير عن نفسها.

وتعا للحساسية المفرطة التى يتمتع بها أمير قام في عام 1987 بتكوينمنظمة (ال] يو مان) أو منظمة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الاوروبي في مدينة توركو بهدف مساعدة ومعاونة الفنانين الأجانب من أجل تواصل أفضل بينهم وبين العالم من حولهم.

وتقوم هذه المنظمة الآن بعمل مسح احصائي شامل لاعضائها من الفنانين المقيمين في فنلندا بالإضافة إلى بقية الفنانين الأجانب المقيمين في فنلندا من غير الأعضاء.

"أنا أصرخ وكا،ه لا يوجد صوت آخر في هذا العالم غير صوتي، وكأنه ليس هناك موت آخر عدا موتي".

وقد شاركت المنطمة في عشرة معارض أقيمت في ست دول أوروبية وتصدر المنظمة مجلة ربع سنوية بعنوان "يونيفرسال كلرز".

وارتباطات أمير الاجتماعية هي علامة أخرى لطريقته في الحياة ففي بلد التقدم التكنولوجي هناك من يطرق أبوابنا ليقدم لنا رسالة أنسانية بأعماله القادمة من حضارته القديمة التى أثرت منطقة جنوب شرق آسيا كلها.

(  ستيللا بوتتاي Stella Bottai, 06.2004(